نقل حضانة إثم


سألتني وأنا أطعم طفلي بيدي اليسرى:

- هل يجوز إطعامه بيسراك؟
- فقلت: نعم..
- قالت: من قال نعم؟
- قلت: سألت فلانة! شعرت بالخجل من نفسي، وأنا أنطق اسمها وابتسمت لمحدثتي واستدركتُ:

أظن أنني سألتها لإماطة المسؤولية عن ظهري وحسب..



***



يحدث كثيراً أن نذهب للسؤال عن بعض الأحكام الشرعية بهدف (نقل حضانة إثم) لا أكثر.. فنكمل سيرنا في الطريق الخطأ، ونحن نعلم أننا على خطأ مع فارق بسيط بين حال ضميرنا قبل السؤال وبعده.. والذي يفترش بساطاً من حرير، وينام مستريحاً إلى أجل غير مسمى..



بالتأكيد نتفق في أن على من يطلق الأحكام تقوى الله وتوخي الحذر فيما تتفوه به شفتاه فـ "أجرؤكم على الفتوى أجرؤكم على النار".



وفي الطرف الآخر لا نستطيع إخلاء مسؤوليتنا كسائلين.. فنحن نتحمل جزءاً كبيراً من الإثم إن لم يكن كله.. باختيار الشخص غير الملائم لسؤاله.. أو بسؤال من نعلم رقة دينه وتجاوزاته التي لا يمكن السكوت عنها.. أو بسؤال أهل العلم مع تحريف السؤال بطريقة تجعل السائل يقول: (لا بأس عليك.. فأنت مضطر).. ليفتح باباً مشرعاً لكثير من التجاوزات التي تحدث باسم الاضطرار ولا اضطرار..



هدي نبوي



ومن جميل ما علّمنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة " أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصِلُهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويجهلون عليّ، وأحلم عنهم ويسيئون إليّ، قال: "إن كنت كما تقول فكأنما تسُفّهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك".



والشاهد في الحديث قوله: "إن كنت كما تقول"، وفيه إشارة لطيفة إلى أهمية الاستناد إلى دليل يُبنى عليه القول إن لم يكن هناك شهود يعرف بهم الصدق من الكذب.. وعليه فإن الفتوى أو الحكم الذي يطلق على حالة معينة إنما يختص بهذه الحالة إن لم تكن وضعاً عاماً يشترك فيه غالب الناس..



وبهذا فإننا نتحمل المسؤولية حين نصوغ الأسئلة لتأتي الإجابات مفصلة تفصيلاً دقيقاً لما نريد سماعه. والأمر لا يتعلق فقط بالفتاوى، وإنما يتعدى ذلك إلى كل تفاصيل حياتنا الدقيقة.. وعلى جميع المستويات.. سواء في حياتنا الخاصة وأسرتنا.. أو في حياتنا العملية.



إننا مسؤولون عن أي تصرف يصدر منا.. وإن كنا نتأثر بآراء الآخرين ونتبنى نظرياتهم.. وما يحبونه، وما يخافون منه.. فيمكن تقبل ذلك من الطفل الذي يسجل كل آراء أهله، ويتبنى أفكارهم ومخاوفهم؛ لأنه يراهم الصورة المثالية التي عليه الاقتداء بها..



فلان قال!



غير أن الأمر يختلف مع الكبار.. ويصبح مشكلة حقيقية؛ إذ إنها تعني سلب شخصية المرء وجعله مسيراً لأهواء الناس في الأمور التي يجب أن يتحمل فيها مسئوولية كونه مخيراً.. من المخجل أن يسألنا السائل: لماذا فعلت هكذا؟ فنجيب: فلان قال لي افعل..



والإجابة هذه تشي بمستوى وعينا بمفهوم المسؤولية.. فكلما ازداد وعينا بهذه الأمانة كنا أكثر تحرّياً عند اختيارنا لمن نسأل ونستشير، ولمن نتبع ونقتدي.



فـ(كل الناس يفعلون هذا)، و(فلان أشار عليّ بذلك)، و(لن أكون شاذاً فأسير في طريق قلّ السائرون فيه وإن كان حقاً) عبارات مسكنة لتهدئة الضمير(النفس اللوّامة) وإسكاته إلى الأبد.. ونتناسى أن النفس اللوّامة هي مركبنا إلى بر الأمان.



من الشجاعة حقاً أن نتحمل المسؤولية، وأن نفتح أعيننا جيداً للاعتراف بذلك أمام أنفسنا أولاً، بأن نقول: أنت مسؤول عن كذا.. ولذلك فلك الحق في أن تقرر ما تشاء دون مجاملة لمن لن يُسأل عن ذلك إلاّ إذا أفسد عليك حياتك..



وعندما نتخلى عن لغة ذهب.. وضاع.. وغيرها من العبارات التي تجعل من غير العاقل فاعلاً يذهب ويضيع ويتحرك نصبح أكثر وعياً بالمسؤولية.

0 التعليقات:

إرسال تعليق